مجمع البحوث الاسلامية
521
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ويؤيّده - كما سبق - أنّ التّشديد - بما فيه من المبالغة - يلائم السّياق . 4 - اختلفوا في « العجل » هل صار حيوانا ذا لحم ودم ، واستشهدوا عليه بقراءة ابن مسعود ( لنذبّحنّه ولنحرّقنّه ) ، وبأنّ الحديد والذّهب لا يحرقان ، أو بقي على حاله ، واستشهدوا بقراءة ( لنحرقنّه ) بفتح النّون بمعنى لنبردنّه بالمبارد ثمّ ننسفنّه في البحر ، وأنّ النّسف أيضا لا يناسب ما صار لحما ورمادا . والحقّ أنّ هذه الآية ساكتة عن ذلك كلّه . نعم جاء في آيات قبلها في وصف العجل : . . . وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ * أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً طه : 88 - 89 ، وظاهرها أنّ العجل كان جسما له خوار ، لا حيوانا له صوت . ونقول : طرح هذه المسألة كطرح مسألة أخرى في الآية : أنّ موسى كيف ألقى الذّهب في البحر ولم يوزّعه بين بني إسرائيل ؟ فهذا إسراف ، وأمثال هذه المسائل ممّا سكت عنها القرآن خارجة عن وظيفة المفسّر ، وهي أشبه بالإسرائيليّات الّتي تحوم حول مبهمات القرآن ، وتتّبع ما لا هداية فيها من الأوهام ، وقد عدّت هذه فرصة للقصّاص إشباعا لهوى المسامرين والمسافرين طوال اللّيالي والأسفار ، واتّباعا سنن الجاهليّة . وكتب التّفسير المأثور - مع الأسف - مليئة بها . 5 - تلك بحوث راجعة إلى ( 1 ) ، وأمّا ( 2 و 3 ) : فأوّل ما فيهما أنّ اللّه اهتمّ بقصّة إبراهيم أكثر من قصّة موسى فكرّرها في سورتين مكّيّتين ، ولم يكرّر قصّة موسى هذه ، وهي مكّيّة أيضا ، كما هو الوضع الغالب على القصص القرآنيّة ، فكانت أنسب بحال أهل مكّة يوم ذاك ، الّذين لم يعرفوا عن الأنبياء وأممهم شيئا ، لعدم اختلاطهم بأهل الكتاب ، كاختلاط أهل المدينة بهم . لاحظ المدخل بحث « القصص » . ولعلّ السّرّ فيه أنّ إبراهيم عليه السّلام كان أبا لقريش ولعلّهم كانوا يستندون دينهم إلى أبيهم ، ويدّعون أنّهم على ملّة إبراهيم ، فأنكره القرآن بالتّركيز مرّات على أنّ ما جاءهم به النّبيّ عليه السّلام هو ملّة أبيهم إبراهيم : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ الحجّ : 78 . أمّا موسى عليه السّلام فكان من بني إسرائيل ، وهم أسرة أخرى من ذرّيّة إبراهيم ، لم يكونوا مخاطبين بتلك الآية ، فاكتفى بذكر قصّتهم مرّة واحدة ، ولم يكرّرها . وثاني ما فيهما أنّهما ككثير من القصص القرآنيّة المكرّرة نقل بالمعنى دون اللّفظ ، فاختلفت ألفاظها واتّحدت معانيها - لاحظ المدخل أيضا - حيث جاء في ( 3 ) حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ، وفي ( 2 ) اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ، وجاء في إنجاء إبراهيم من الاحتراق بالنّار في ( 2 ) فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ، وفي ( 3 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ، والفرق بينهما بالإجمال والتّفصيل . وثالث ما فيهما أنّه قال في ( 3 ) : ( حرّقوه ) ، وفي ( 2 ) : اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ، وهذا أيضا نوع من الإجمال والتّفصيل ، ويبدو من اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ أنّ غيظهم